التصنيفات
لغــة وأدب عربي

العلامة والرمز اللسانيان

.
العلامة والرمز اللسانيان:
كيف تنشأ الدلالة والمعنى في اللغة؟
الرمز والعلامة يمعناهما اللغوي: هما نشاط ذهني تمثلي يقوم من خلاله الفكر بإثارة موضوع أو معنى بواسطة موضوع آخر مثلا الدخان علامة على النار والميزان رمز للعدالة. وبفضلهما يتحرر الفكر من سلطة الواقع في تنوعه وتبدله ويزداد هذا التحرر الفكري اتساعا وغنى في العلامات والرموز اللسانية.
إلا أن هناك فرق جوهري بين العلامة بمعناها الخاص والرمز ذلك لأن هذا الأخير لا يكون اعتباطيا بصفة مطلقة فليس عديم المضمون بل يحتوي على رابطة طبيعية تربطه مع ما يرمز إليه، إن الرمز يشتمل على التمثيل الذي يعبر عنه. فالأسد يستخدم رمزا للقوة لأنها صفة يتميز بها، والثعلب رمزا للمكر… هكذا يبدو أن الرمز في نظر هيجل ليس اعتباطيا لكن لا يجب أن يفهم من ذلك أن الرمز يطابق تمام المطابقة المدلول عليه لأنه يحمل خصوصيات غير موجودة في المدلول عليه.
أما العلامة فهي اعتباطية ولقد وضح ذلك انطلاقا من الألوان التي تدل على أمة معينة.
إن العلامات والرموز هي عبارة عن وسائط تمثيلية بين الفكر والواقع لأن كل لسان كما يقول كاسيرر: “حيوان رامز”
إن العلامات والرموز قد تتخذ أشكالا متعددة: قد تكون طبيعية(الأسد رمز للقوة) وقد تكون ثقافية(الميزان رمز للعدالة) وقد تتخذ شكل صور وشكل كتابة وقد تتخذ كذلك شكل علامة لسانية.
فما المقصود بالعلامة اللسانية وكيف تنشأ الدلالة والمعنى في اللغة، بشكل تلقائي وطبيعي أم بالمواضعة والاتفاق؟
تعربف العلامة اللسانية:
يقول بنفنست:”…وهكذا الشأن في العلامة اللسانية فأحد مكونات العلامة هي الصورة الصوتية ويشكل الدال. أما المكون الآخر فهو المفهوم ويشكل المدلول”
الدال: هو الصورة السمعية التي تولدها في الذهن الأصوات التي يسمعها المتلقي.
المدلول هو التصور الذهني الذي تثيره الصورة السمعية في ذهن المستمع.
ومن ثمة تطرح طبيعة العلاقة بين الدال و المدلول: هل هي اعتباطية(اصطلاحية) أم هي علاقة طبيعية تعكس فيها الكلمة الشيء المعبر عنه أم أن العلاقة بينهما ضرورية؟
1- موقف أفلاطون: الأطروحة الطبيعية
في محاورة كراتيل يورد أفلاطون نقاشا فلسفيا جرى بين شخصين هما هرموجين وكراتيل اختلفا فيه حول علاقة الكلمات بالأشياء، حيث يرى كراتيل بأنها علاقة طبيعية، بينما يرى الآخر أنها علاقة اتفاق واصطلاح،تم اللجوء إلى سقراط قصد الاحتكام إليه فبدأ يحاور هيرموجين لكي يقنعه بأن الاسم هو محاكاة للشيء وبالتالي فالكلمات تنتمي إلى الأشياء على نحو طبيعي، مدافعا بذلك عن موقف كراتيل. إن نظرية المحاكاة عند أفلاطون تنبني على أساس أن لكل وجود اسم يضمه بطبيعته، فإما أنه متضمن في صوته أو في صورته أو في أحد أعراضه الأخرى كاللون مثلا. وأفلاطون يرى بأن عملية المحاكاة تتطلب العلم بماهية الشيء مادام لكل وجود ماهية. وبهذا يكون قد فتح المجال لنسقه الفلسفي الذي يرى بأن الوجود المادي ليس هو الحقيقة وإنما هو نسخة أو محاكاة لتلك الحقيقة.
2- موقف دوسوسير: الأطروحة الاصطلاحية الاعتباطية
يحاول دوسوسير الإجابة على إشكال يدور حول علاقة الدال بالمدلول هل هي علاقة طبيعية أم اعتباطية؟ مستهلا ذلك بنقده للأطروحة الطبيعية وتفنيد عناصرها مبينا أنها تعتمد على وجود المعاني الجاهزة وتقر بأسبقية المعنى على اللفظ. كما أنها لاتهتم بتحديد طبيعة اللفظ وماهيته وتعتبر أن علاقة الاسم بالمسمى هي علاقة بسيطة. بعد ذلك يشرع في الدفاع عن أطروحته المغايرة ويرى بأن الدلالة لا تربط الاسم بالمسمى بل توحد بين تصور وصورة سمعية، أي بين الدال والمدلول مؤكدا على البعد السيكولوجي في هذا المجال. إذن فالدلالة هي التركيب المكون من الدال والمدلول والعلاقة بينهما هي علاقة اعتباطية والسبب في ذلك هو اختلاف الألفاظ باختلاف الألسن، فالدال ( أ-خ-ت) لا تربطه أية علاقة ضرورية بمفهوم القرابة الذي يعبر عنه، لأن كل لسان يرسم الدال بالطريقة التي يتواضع عليها أفراد الجماعة. من هنا يستنتج دوسوسير أن عملية الدلالة خاضعة للموا ضعة والاتفاق لأن المجتمع هو الذي ينتج العلامة ويعطيها دلالتها.
3- موقف بنفنست: الأطروحة الضرورية
يختلف بنفنست مع دوسوسير في تحديد العلاقة التي تربط الدال بالمدلول، مؤكدا على وجود تماثل ضروري بينهما إلى حد اعتبارهما وجهان لعملة واحدة لايمكن الفصل بينهما، فالدال هو الترجمة الصوتية للمفهوم، والمدلول هو المقابل الذهني للدال. إن العلاقة الضرورية بين الصورة الذهنية لكلمة ثور ومجموعة الأصوات المتتالية: ث- و- ر. فالمفهوم-(المدلول) ثور ماثل في وعيي بالضرورة للمجموع الصوتي(الدال) ثور. والحجة الدالة على هذه العلاقة الضرورية بين الدال والمدلول، هو أنه بمجرد رؤيتنا أو استحضارنا لأحدهما، إلا واستحضرنا العنصر المرتبط به. فكلاهما نقشا في ذهني وكل منهما يستحضر الآخر في كل الظروف.ثمة بينهما اتحاد وثيق إلى درجة أن مفهوم ثور هو بمثابة روح الصورة الصوتية ث – و- ر.
لايمكن للذهن الإنساني أن يحمل مفاهيم ليس لها مقابل يمكن للإنسان التعرف عليه وإدراكه. فجميع مفاهيم الذهن الإنساني هي أسماء لمسميات، ولايمكن لهذت الأخير أن يقبل بأسماء هو يجهل في الواقع ما توحي به.
إن الذهن لا يتقبل من الأشكال الصوتية إلا ذلك الذي يكون حاملا لتمثل يمكنه التعرف عليه وإلا رفضه بوصفه مجهولا وغريبا