التصنيفات
تاريـخ,

في سبيل إعادة كتابة تاريخ الإسلام

في سبيل إعادة كتابة تاريخ الإسلام


كتب: الأستاذ أنور الجندي

20/04/1431 الموافق

04/04/2010

تتعالى الصيحات في الوقت الحاضر بالدعوة إلى إعادة كتابة تاريخ الإسلام بعد أن تبين للعلماء والباحثين أن الصورة الموجودة الآن في أيدي شبابنا وطلبة مدارسنا وجامعاتنا ، والتي صنعت في ظل الاستعمار ، وتشكلت أولاً في هذه البلاد التي سيطر عليها ليست بالصورة المثلى، ذلك أن هذه الصورة نبتت أساساً في ظل الاحتلال بعد أن انفصلت عن الدولة الأم: الدولة العثمانية.
وعن الطابع الأساسي الذي أريد لها هو أن تكون كتابات محلية خالصة: لا تستهدف كتابة تاريخ الإسلام نفسه ، ولكن كتابة تاريخ الأوطان، ومن ثم انحازت هذه الكتابات للأمة أو القطر أو البلد ، وأعلت من شأن وجوده الخاص، وتاريخه القديم، واستوحت أشد الصفحات بعداً عن الأصالة وعن الرؤيا الصحيحة، فأعلى شأن الفرعونية والفينيقية والبابلية والآشورية والبربرية والزنجية وغيرها.

فإذا عرض أمر الإسلام فإنما يعرض على هون ، وفي أسلوب يوحي بأن الأمم أو الأقطار كانت أكبر منه ، وأنها حين دخل عليها أقامته وسيطرت عليه، وعَدّته بعض الكتابات استعماراً أشبه بالاستعمار الفارسي والروماني.

ويرجع ذلك كله إلى أن النظرة الأساسية التي قامت عليها كتابة التاريخ نظرة استعمارية ووافدة، وحين فتحت الأفاق لدراسة تاريخ الإسلام، درس على أنه تاريخ الدولة أو الإمبراطورية التي قامت ثم تمزقت إلى دول، وحين عرض لم يعرض إلا من خلال خلافات بعض الملوك والأمراء والحكام وصراعاتهم الخاصة.

وكان التركيز شديداً على الخلاف الأول بين الصحابة (عثمان وعلي ومعاوية) في محاولة لتفسيره تفسيراً مادياً خطيراً بأنه صراع على الحكم.

وغلبت على دراسة التاريخ مذاهب الاستشراق وهي مذاهب غربية أصلاً قامت في ظل تاريخ أوربي وغربي له تحدياته وظروفه، مثل الصراع بين الكنيسة والعلماء، وبين الأمراء والشعب، وصراع المذاهب الكاثوليكية والبروتستانتية ، وذلك القتال الرهيب بين الملوك والدول والأمم.

هذا المذهب في تفسير التاريخ الذي كان مطبقاً في الغرب حاول المستشرقون نقله إلى أفق التاريخ الإسلامي رغبة في محاكمة هذا التاريخ إليه، فكان خطراً وفاسداً ومضطرباً؛ لأنه ليس متسقاً معه ، وليس منبعثاً من وجوده ومذاهب التاريخ والأدب والنقد وغيرها جميعاً لا يمكن أن تنقل من بيئة إلى أخرى، وإنما هي تنبع من بيئتها ، لأنها جزء من الثقافة الذاتية الخاصة القائمة على العقائد والتراث والعادات والطوابع العميقة للأمم.

ولكن الاستعمار ومن ورائه التغريب والغزو الثقافي فرض هذا المنهج من تفسير التاريخ على التاريخ الإسلامي فمزقه إرباً وأحاله أركاماً، فهو أولاً يدرسه مجزءاً واقعة واقعة، أو أنه يرجح رواية توافق الهوى أو أنه لا يفهم تيار التاريخ الإسلامي نفسه، هذا التيار الذي لا يفهمه إلا من يعرف منطلقه الأساسي كما رسمه القرآن الكريم وصورة الإسلام في أصوله وقيمه.

وقد استهدت هذه الدراسات بالطابع الوطني الخالص، الذي حجب عنها الصورة الكاملة للتاريخ بأبعادها ، حيث عجزت هذه الصورة أو تعمدت إلا تشير إلى أن هذا الوطن وهذه الدولة، ليست إلا جزءاً من الوطن الإسلامي ، ومن الدولة الإسلامية أساساً ، وأن الروابط بين الجزء والكل لا يمكن أن تنفصم؛ لأنها روابط عقدية ولغة وشريعة وتاريخ طويل وأمة وسطى جامعة لا يستطيع جزء منها أن ينفصل أو ينغلق مهما حاول ذلك أو حاوله له الاستعمار.

وفضلاً عن هذا فإن هذه النظرة الوطنية الضيقة التي جهلت مكانها كجزء من الكل، لم تتوقف عند هذا الحد، بل إنها أعلنت استعلاءها بخصائصها التاريخية القديمة أو طبيعتها الخاصة، ثم ذهبت إلى أبعد من ذلك حين أعلنت الحرب والخصومة على الأجزاء المجاورة لها وإقامة سد عالٍ بينها وبينه؛ وذلك بهدف ألا تتصل الأجزاء مرة أخرى ولا تلتقي. كذلك فإن الدعوة إلى ربط التاريخ الحديث بالتاريخ القديم السابق للإسلام جاهلياً أو فرعونياً أو فينيقياً، إنما هو دعوة إلى أمر مستحيل؛ حيث سيطر الإسلام على الساحة الفكرية والاجتماعية والروحية والنفسية وللبشرية بعد أربعة عشر قرناً وقطع الصلة بينهم وبين الماضي قطعاً لا سبيل إلى إعادته، وقد أكد علماء كثيرون غربيون أيضاً نظرية "الانقطاع الحضاري ولا استمرارية التاريخ" في هذه المنطقة، والحاجز الضخم الذي أقامه الإسلام بين الأمم وبين ما كان لها من تاريخ ودين وعقيدة وفكر من قبل.

ذلك أن ظهور الإسلام -وهو كذلك في تقدير الباحثين الغربيين المنصفين- هو علامة بارزة على بدء تاريخ العصر الحديث حتى بالنسبة لعوالم الغرب نفسه، وأن كل ما سبق الإسلام من حركات التاريخ إنما كانت تمهيداً له، فالإسلام هو الذي حمل إلى البشرية لأول مرة "الأخوة البشرية" ووحدة الجنس الإنساني ووحدة الدين ، ووحدة الفكر بديلاً عن الوثنية في الفكر والعبودية في المجتمع، فهو الذي حرر الفرد في الجماعة ، وحرر النفس من عبادة غير الله ، وحرر العقل بالنظر إلى الكون؛ فدفعه إلى إنشاء المنهج العلمي التجريبي قاعدة الحضارة القائمة ، ولم يكن يعرف منه قبل الإسلام شيء ما.

كذلك الخطر الذي نواجهه في دراسة التاريخ: وهو تاريخ إسلامي أم تاريخ عربي أم تاريخ إسلامي عربي، وفي تسمية الحضارة هل هي إسلامية أم عربية، والفتوحات هل هي إسلامية أم عربية، والعلماء والمفكرون هل هم عرب أم فرس أم ترك.

كل هذه محاولات للتزييف ،وإثارة الشبهات ،وصرف الشباب المثقف عن الحقيقة التي هي معروفة ومقررة من أن الإسلام هو الذي أعطى العرب هذه الوحدة وهذه المكانة ،وهو الذي دفعهم في الأرض ،وأن هذه الحضارة وذلك الفتح وهذا العلم كله إنما جاء من الإسلام ولولا الإسلام ما استطاع العرب أن يقتحموا الآفاق أو يقيموا حضارة ما.

ونحن نعرف أن التراث الفكري الذي كان موجوداً قبل الإسلام سواء تراث بابل الغنوصي أو تراث فارس الوثني أو تراث اليونان المادي، إنما كان عبارة عن محاولات من البشر لتبرير رغبات الإنسان ومطامعه وأهوائه دون أن تكون قائمة على توحيد أو عدالة أو رحمة، وأن تراث الأديان نفسه كان قبل ذلك كله هو الضوء الوحيد الذي عرفته البشرية في طريقها، وأن هذا التراث قد حاولت التفسيرات الزائفة والدعوات المضللة أن تبدده وتمزقه وتخرجه عن مضمونه، حتى جاء الإسلام فألقى إلى البشرية تلك الحصيلة الضخمة البارة من العلم والفهم والإيمان والضياء؛ لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وأن هذه الحصيلة وحدها هي التي فتحت الآفاق إلى النهضة والحضارة التي شملت أغلب أجزاء العالم إذ ذاك -هذا وإن كانت الحضارة الإسلامية قد استصفت إليها كل عصارات الفكر القديم وما وجدته صالحاً وصهرته في بوتقتها- ولم تترك إلا الزائف الفاسد.

ومن هنا فالحضارة إسلامية حقاً، وهؤلاء العلماء ليسوا عرباً ، وليسوا فُرساً ،وليسوا أتراكاً، وإنما هم مسلمون كونت عقلياتهم فكرة التوحيد ،وملأت نفوسهم كلمة القرآن ،وعمرت أرواحهم دعوة الله إلى النظر في السماوات والأرض، فكل ما أنتجوا إنما جاء من محيط القرآن والإسلام ، وليس من محيط بلادهم أو تراثهم، ذاك أن الإسلام إنما أعاد صياغة عقليات وقلوب ونفوس أربابه وأصحابه خلقاً جديداً ، فشكلهم على نمط جديد هو روح الإسلام، ومن قلب هذا الروح كان نتاجهم، ومن هنا فإن هذا التكوين النفسي والعقلي هو بمثابة الجنس والأخوة الإسلاميين.

إن منهج تفسير الإسلام للتاريخ هو المنطلق الوحيد للنظر في التاريخ الإسلامي العربي وإعادة كتابته من جديد، فإن التاريخ المكتوب الآن واقع تحت تأثير النظرة الاستشراقية التي تغض من شأن الإسلام لحساب خلفياتها الاستعمارية، أو النظرة القاصرة التي تستمد قدرتها من العقلية الغربية المسيحية التي لم تستوعب الفارق البعيد بين العقائد والأخلاق والقيم ، والتي تنطلق من مصدر واحد هو أن الإسلام دين عبادي لاهوتي محض، وهي نظرية المسيحية، أو نظرة الفكر الغربي المسيحي التي لا تعترف بأن الإسلام إنما هو نظام اجتماعي ومنهج حياة أصلاً ، وأن الدين بمعنى العبادة واللاهوت جزء منه.

فالغربي ينطلق من قاعدة أن الدين لله وأن المجتمع بكل شرائحه الاجتماعية والاقتصادية السياسية يخضع لنظريات بشرية وأيدلوجيات يصنعها الفلاسفة وليس كذلك الإسلام: الإسلام الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليكون منهج حياة لهذه الأمة التي شرقت وغربت ووصلت إلى حدود نهر اللوار في فرنسا وإلى أسوار فينا في قلب أوربا ، والتي يشمل ضياؤها ذلك المدى الممتد من الصين إلى غرب أوربا، ومن هنا تبدأ القاعدة التي تقوم على التفسير الإسلامي للتاريخ.

فهل آمن دعاة إعادة كتابة التاريخ بهذه القاعدة الأصولية، أن عليهم أن يعلنوا ذلك صراحة ، وأن يلتزموا ذلك في كتابة أبحاثهم على أن يختار لهذا العمل كل من آمن بالإسلام ، وعاش له ، وامتلأت نفسه إيماناً بصدقه وبقدرته على تغيير حياة المسلمين ودعوتهم إلى القوة والعزة من جديد؛ ذلك لأن التفسير الإسلامي للتاريخ يؤمن بأن هزيمة المسلمين في السنوات الماضية وتقلبهم بين الغزو والنكسة والنكبة واقتطاع فلسطين وبيت المقدس، كل هذا إنما جاء ثمرة (التحول) الخطير الذي دفعهم إلى نفض أيديهم من مناهج مجتمعهم ونظام حياتهم الأصيل القرآني المصدر الرباني الأساسي، إلى التماس مناهج الأمم، هذه المناهج البشرية سواء منها الغربية أو الماركسية ..

وأن هذا التفريط في منهجهم هو الذي ألقى إليهم هذه الهزائم والنكبات ، وأنه لا خلاص لهم مما هم فيه من هزيمة وتخلف إلا بالعودة مرة أخرى إلى التماس منهجهم الأصيل ، والاستمداد من النبع الأول: القرآن الكريم.

وأن هذه الظاهرة قد تكررت خلال تاريخهم مرات ومرات، فهم كلما نفضوا أيديهم من منهج القرآن ضربهم الله بالذل حتى يعودوا إليه (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً).

ذلك تفسير حركة التاريخ الإسلامي بين النصر والهزيمة.

كذلك فإن هناك ملحظاً أساسياً لابد من تقديره هو أن هناك فرقاً بعيداً وبوناً شاسعاً بين "المنهج" وبين "الواقع": بين المنهج الرباني الذي جاء به الإسلام ، والذي لا يتخلف ولا يتعثر والذي يحمل في تضاعيفه أسباب النصر والقوة ووسائل الهزيمة والتخلف.

وبين الواقع التاريخي الذي عاشه المسلمون ، والذي هو التاريخ الإسلامي ، ولا يمكن أن يكون التاريخ الإسلامي حجة على المنهج أو مثاراً لتوجيه الشبهة إليه، بل على العكس من ذلك: أن المنهج هو الحجة ؛ لأنه هو عنصر الثبات وهو القوة التي يستمد منها المسلمون أسباب حياتهم وطريق عيشهم.

فالمسلمون حين ينحرفون عنها تقع الأزمة ، وتبدأ عوامل الهزيمة.

وتاريخ الإسلام فيه النصر ، وفيه الهزيمة وكلاهما يرد إلى تطبيق المنهج أو التخلف عنه.

وفي تاريخ الإسلام الذي يعرض الآن ، ويقدم لأبنائنا زيف كثير لأنه يحاول أن يعلي شيئاً كثيراً من الروايات الباطلة في سبيل إثارة جو من الخصومة والخلاف بين الفرق المختلفة أو الأحزاب والدول، وذلك مما فرضه الاستعمار والاستشراق حتى يحتقر المسلمون تاريخهم وتضعف مكانته في نفوسهم.

وكذلك فإن هناك ازوراراً كبيراً عن المواقف الحاسمة والبطولات الضخمة، وذلك حتى لا ينبهر المسلمون بعظمة أجدادهم، ولا يعرفون حقيقة الدور الذي قاموا به في بناء الحضارة.

وكذلك فإن هناك ازوراراً كبيراً عن المواقف الحاسمة الاجتماعي آثاراً في التاريخ ، ولكن ليس لأحدهما أن يفترض أنه وحده العامل المؤثر؛ وإنما هي في مجموعها عوامل ذات أثر بدرجات متفاوتة، وهناك عامل آخر له أهميته ، ولا ينفصل أبداً في دراسة تاريخ الإسلام هو عامل العقيدة والوحي والنبوة، وإرادة الله العليا التي تتحرك من داخلها إرادة الإنسان ، والتي تفرض وجودها على حركة الكون كله.

وبعد فإننا نتطلع إلى إعادة كتابة تاريخ الإسلام بحرص كبير ونأمل من الغيورين أن يكونوا عوناً لأمتهم لتخرج من دائرة سيطرة الاستشراق والتغريب والغزو الثقافي.

إن المحاولة التي جرت منذ وقت بعيد في سبيل تفسير الإسلام (حركته ودعوته) تفسيراً مادياً صرفاً لا ريب تعجز أشد العجز عن أن تقول الكلمة الفاصلة؛ لأنها تعجز عن أن تستوفي الأبعاد المختلفة، والجوانب المتعددة، حين تضع بينها وبين الحقيقة حجاباً، هذه الحقيقة الممثلة في العوامل النفسية والمعنوية والروحية والفكرية ، وهي عوامل أشد أثراً ، وأبعد عمقاً ، وأكثر أهمية من الجانب المادي الواحد الذي هو أحد جوانب التفسير لا محالة ، ولكنه ليس واحدها وليس أكبر أهمية.

إن التفسير المادي أو الاقتصادي للتاريخ الإسلامي إنما يحاول أن يواجه البحر بإناء من ماء، أو الجنة الفيحاء بفسيلة من حطب.

لقد حاولت كتابات كثيرة في السنوات الأخيرة أن تتمثل الإسلام ، وكأنه ثورة الفقراء ضد الأغنياء فحسب، والحق أن الإسلام ليس ثورة موقوتة ، ولكنه حركة شاملة من حيث الزمن ، ومن حيث المضامين لتغير أشياء كثيرة: تغيير المجتمع ، وتغيير النفس ، وتغيير الأخلاق ، وتغيير الاقتصاد.

ومن هنا فإن الإسلام ليس هو التفسير الاقتصادي ، وليس محمد صلى الله عليه وسلم هو المصلح الاجتماعي أو رسول الحرية، وليس يكفي حين يذكر أن تورد شطر الآية الكريمة (قل إنما أنا بشر) فهذا تزييف؛ فإن الآية تقول (قل إنما أنا بشر يُوحَى إليّ أنَّما إلهكم إلهٌ واحِد).

لقد جاءت كتابات التفسير الاقتصادي ثم المادة متباينة حذرة في (على هامش السيرة وفي الفتنة الكبرى) ثم اتسعت بعد ذلك في (محمد رسول الحرية)، ونمت شبهاتها حتى لقد حرص الكثيرون على أن يربطوا بين هذه الآثار على ما بينها من فروق في الزمن واختلاف في المصادر والموارد، في إدعاء كاذب بأن مثل هذه الكتابات قد حاولت أن تعتمد على الوقائع لا على الخوارق، وقد ظن أصحابها أن المعجزات يمكن أن تسلك فيما يوصف في الغرب بأنه أساطير، ولا ريب أن لرسول الله معجزات غير القرآن، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يجد الطريق سهلاً إلى رسالته ، ولم يجد العرب مستعدين للنهضة فنهض بهم -كما يردد البعض- ومن هنا فإنه في نظرهم لم يكن في حاجة إلى معجزات أو خوارق.

ولا ريب أن هذا الادعاء باطل ، وأن وقائع حياة رسول الله بعد بعثته إلى هجرته خلال ثلاثة عشر عاماً تكشف في وضوح مدى المعاناة والظلم والاضطهاد في عشرات الصور والمواقف، مِما يدهش معه أي باحث كيف واجهت قريشاً والعرب دعوة التوحيد وقاومتها.

ومن هنا نعجب من قول أحدهم حين قال: "ومحمد بهذا ليس في حاجة إلى خارقة تعينه على إقناع الناس بما يقول؛ لأنه بما يقول إنما يستجيب لآمال الناس وأحلامهم".

ولقد تردد هذا القول قديماً في (النثر الفني) وفي بعض كتابات (الشعر الجاهلي) وغيره، وهو من زيف المستشرقين الذين يهدفون به إلى التقليل من عظمة الرسالة الإسلامية.

ولقد واجه العلامة فريد وجدي مثل هذه الشبهة حين قال: "إن قريشاً وهي أرقى القبائل لغة وفهماً ومكانة لم تقبل دعوة النبي إلا رجالاً ونساءً لا يزيد عددهم على بضع عشرات.

ولو كانت قريش أقرب العرب إلى الحضارة لقبلت دعوة محمد بصدر رحب ،وأحلتها المكان اللائق بها ،ونهضت تحت قيادته لجمع كلمة القبائل وإبطال دينهم.

"إن أتباع النبي الأولين اضطهدوا اضطهاداً شديداً حتى هاجروا إلى بلاد الحبشة، وأن الجاهلين كانوا يهزءون بالدعوة للدين وبالداعي إليه، وأن النبي لبث على هذا الحال من الاضطهاد ثلاث عشرة سنة، ولما أنست قريش من النبي الهجرة قررت قتله وأرصدت له، ولما علم أهل مكة بإفلاته اقتفوا أثره، كل هذا ينطق بلسان فصيح أن قريشاً وهي مظنة النجابة والفهم من العرب في ذلك العهد لم تكن (وقد استعدت للملك بعد تطورات عديدة) فإن المجتمع الذي يقاتل الداعي للتجديد والنهوض بهذا النفور ،ويصبر عليه ثلاثة وعشرين سنة لا يزداد بعدها إلا عناداً وتشدداً لا يمكن أن يوصف بأنه مجتمع كان مستعداً للنهوض ،وأنه سرعان ما نهض مع النبي صلى الله عليه وسلم ..

كذلك فإن قريشاً لم ترفض الإسلام لأنه يقضي على نفوذها الاقتصادي وحده، ولكنها كانت تعلم أنه قضاء على كيانها الفكري والاجتماعي والديني جميعاً.

ومن هناك كان خطأ القائلين بالتفسير الاقتصادي، ذلك أن الأديان السماوية إنما تغير المجتمع كلية ومن الأساس، وهي حين تقصد أول ما تقصد فإنما تبني النفس الإنسانية ، وتشكلها تشكيلاً جديداً فيه صمود وصبر وقدرة على مواجهة الاضطهاد واحتمال البلاء ،وتهيئها لعمل كبير توهب فيه الأرواح والنفوس ، ويجل عن المعاني المادية.

ومن هناك كانت دهشة المستشرقين وغيرهم لعظمة الفتح الإسلامي الذي صنعه هؤلاء الذين بناهم محمد في خلال ثلاثة عشر عاماً في مكة ، وغير بهم الدنيا كلها ، وليس جزيرة العرب وحدها، لقد نظروا إلى هذا الفتح الذي تم في خلال بضع وسبعين سنة على أنه معجزة لم تفسر: نعم كانت تعرف قريشاً أن معارضة محمد لهم لن تفقدهم نفوذهم الاقتصادي ، ولكنها ستلغي كيانهم إلغاءً كاملاً بكل فكره وماضيه ومواقفه الاجتماعية والأدبية.

إنه تغيير جذري ليس الاقتصاد إلا جانب منه، تغيير في نظام الموءودة وزواج الأخت في العلاقة بين الأهل وفي القضاء (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) كان القوي إذا أذنب تركوه ، وإذا أذنب الضعيف أقاموا عليه الحد، الله تبارك وتعالى هو المشرع، تجريد الفرد من سلطانه ومن الخضوع لمقاييس الهوى، مقاييس جديدة ربانية لكل الأمور.

موقف جديد بالنسبة للقيم الكبرى: الحرب والعلم والكرم، فهي ليست موجهة للظهور أو الاستعلاء أو الجاه؛ ولكنها موجهة لله وحده، شعار لا إله إلا الله يغير المجتمع كله ، ويغير النفس الإنسانية على مختلف المستويات الدينية والاجتماعية والفكرية والنفسية والأخلاقية، ليست حركة طبقة ضد طبقة، ولا ثورة الفقراء على الأغنياء؛ فقد اشتركت فيها الطبقات ،واشترك فيها الأغنياء والفقراء، وخرج الأغنياء عن مالهم، وخرج الأبناء عن آباءهم وأنكروا ترفهم وفجورهم.

ويبدو ذلك واضحاً في لقاء المشركين للنبي: إن كنتَ تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كنتَ تريد مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وتكون إجابة الرسول هي منطلق تفسير الإسلام: (والله يا عم: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه: ما تركته).

ولم يكن موقف الرسول موقف المزايدة أو الموائمة أو الالتقاء في منتصف الطريق؛ بل كان حاسماً ، وكان رفضه لقيم المجتمع القديمة صريحة، أما ما أقره الإسلام من قيم الجاهلية، فكان من أنقاها، وتلك هي بقايا دين إبراهيم مِما لا يتعارض مع التوحيد.

وكان أبرز ما في دعوة الإسلام بناء الرجال على الصمود والصبر والجلد وعزلهم عن مجتمع الجاهلية بمختلف ألوان فجوره، حيث أجرى الإسلام تغييرهم من أعلى الرأس إلى أخمص القدم (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

كانت دعوة الإسلام مفاصلة بين الله وحده وبين الأهل والولد و متاع الحياة كله، ولذلك فإن عدد الداخلين فيها كان قليلاً، وكانت المحن تتوالى لتصفية هذا القليل ودحر صلابة عوده.

كان الإسلام يستهدف بناء إنسان في سبيل فكره، ليس له في الدنيا نهمة ولا مطمع إلا أن يقدم روحه خالصة لله.

ومن هنا تعجز مقاييس التفسير المادي للتاريخ أو التفسير الاقتصادي للتاريخ أن تحيط بذلك كله ، وأن تعرف الفرق بين هذه القيم المعنوية التي لا تقاس بالمقاييس المحسوسة.

وإذا كانت هذه القيم المعنوية لا تقاس؛ لأنها ليست مادية محسوسة، فإنها تستطيع أن تكشف عن نفسها بآثارها، إن آثارها التي أنتجتها ،والتي يقف أمامها أصحاب المنهج المادي واجمين عاجزين هو الدليل عليها.

"ليس من المنهج العلمي الحق أن ينكر وجود القيم المعنوية أو الروحية أو النفسية لمجرد أنه لا يمكن أن يلمسها أو يراها، كما تلمس أو ترى الأشياء المادية فإن الأثر الذي تحدثه ينهض دليلاً محسوساً على وجودها".

إن المقاييس المادية والاقتصادية لتعجز أن تفسير كيف يبكي العائدون من الغزوات لأنهم لم يستشهدوا، ولا الذين لقوا لآبائهم في صفوف الكفار فقتلوهم، ولا الذين هاجروا وتركوا أموالهم وأولادهم ، واستأنفوا حياتهم في المدينة بدينار اقترضوه، ولا يستطيعون أن يفسروا كيف تنكسف الشمس يوم موت إبراهيم بن النبي، ثم يقف النبي فيعلن أن الشمس لا تنكسف لموت أحد، أو أن يقف النبي في حجة الوداع فيقول : إنه يلغي كل الربا ويضعه، وأول ربا يضعه تحت قدميه هو ربا عمه العباس بن عبد المطلب"، أو يقول "والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"، أو أن توضع الحجارة المحماة على صدر بلال فلا يزيده ذلك إلا أن يقول: أحد أحد.

كل هذا يعجز عن تفسيره المذهب المادي والمذهب الاقتصادي.

لقد كانت دعوة الإسلام شاملة تعجز عنها تفسيرات مذاهب الماديين، ويصدق في هذا نموذجان من القول:

أما أحدهما فقول فيليب حتي: "لم يسجل التاريخ أن رجلاً واحداً سوى النبي محمد كان صاحب رسالة، وباني أمة ومؤسس دولة، هذه الثلاثة التي قام بها محمد كانت في نشأتها وحدة متلاحمة لا يمكن أن تنفصم الواحدة منها عن الأخرى، وكانت إلى حد ما متوافقة يشد بعضها أزر بعض، وكان الدين من بينها على مدى التاريخ القوة الواحدة، وكان أبقاها زمناً حتى إذا رحت تعد الناس في العالم اليوم وجدت أن السابع أو الثامن منهم يدعو نفسه مسلماً".

أما النص الثاني فهو قول: الأستاذ تريتون في كتابه "الإسلام عقيدته وعبادته": "إذا صح في العقول أن التفسير المادي يمكن أن يكون صالحاً في تعليل بعض الظواهر التاريخية الكبرى وبيان أسباب قيام الدول وسقوطها، فإن هذا التفسير المادي يفشل فشلاً ذريعاً حين يرغب في أن يعلل وحدة العرب وغلبتهم على غيرهم وقيام حضارتهم واتساع رقعتهم وثبات أقدامهم، فلم يبق أمام المؤرخين إلا أن ينظروا في العلة الصحيحة لهذه الظاهرة ، فيرى أنها تقع في هذا الشيء الجديد: ألا وهو الإسلام" ..

ويقول ولفرد كانتول سميث في موقف الأمم المختلفة من تفسير التاريخ: "الرجل الهندي لا يأبه للتاريخ ولا يحس بوجوده؛ فالهندي مشغول بعالم الروح ، ومن ثم فكل شيء في عالم الفناء المحدود لا قيمة له عنده ولا زون، أما المسيحي فيعيش بشخصية مزدوجة أو في عالمين منفصلين لا يربط بينهما رباط والمثل الأعلى عنده غير قابل للتطبيق ، والواقع البشري المطبق في الأرض منقطع عن المثل الأعلى.

أما الماركسي فهو قوي الإيمان بحتمية التاريخ، بمعنى أن كل خطوة تؤدي إلى الخطوة التالية، فهو لا يؤمن إلا بهذا العالم المحسوس، بل لا يؤمن إلا بالمذهب الماركسي ، وكل ما عداه باطل، والماركسي يتبع عجلة التاريخ ولكنه لا يوجهها.

أما المسلم فإنه يحس بالتاريخ إحساساً جاداً، إنه يؤمن بتحقيق ملكوت الله في الأرض، يؤمن بأن الله قد وضع نظاماً واقعياً عملياً يسير البشر في الأرض على مقتضاه، ويحاولون دائماً أن يصوغوا واقع الأرض في إطاره، ومن ثم فهو يعيش كل عمل فردي أو جماعي، وكل شعور فردي أو جماعي بمقدار قربه أو بعده من واقع الأرض لأنه قابل للتحقيق" ..

خطأ التفسير المادي لحياة الرسول :

هناك محاولة مستمرة منذ أربعين عاماً تحاول أن تفسر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام وتاريخ الإسلام تفسيراً اقتصادياً أو مادياً، وهي ترمي من ذلك إلى أن تجعل من حياة الرسول بطولة عربية أو بطولة إقليمية أو بطولة أمة أو عبقرية أو دعوة إلى الحرية.

بدأت هذه المحاولات بكتابات عن حياة الرسول مجردة من المعجزات، محاولة أن تفسر جوانب الوحي وما يتصل بكثير نواميس الكون وقوانينه تفسيراً مجازياً أو منامياً، أو غير ذلك، ثم اتسع نطاق هذه المحاولات فوصفت حياة الرسول بأنها بطولة أو زعامة، ولا ريب أن الهدف من نفي النبوة هو مقدمة لنفي الألوهية.

وأن الهدف من نفي النبوة هو إنكار الوحي ،وبالتالي إنكار رسالة السماء جملة ،ومن هنا جاءت المحاولات المتعددة لوصف البطولة الإنسانية ،ووضع مقوماتها على نحو مختلف كل الاختلاف عن النبوة التي يختار الله تبارك وتعالى من يشاء لها من عباده ويعده في الأصلاب والأرحام جيلاً من بعد جيل.

1- فإذا تقررت في نظر الناس قوانين معينة للبطولة الفردية البشرية أمكن الطعن في النبوة؛ لأن هذه القوانين لا تتفق مع تقديرات الله التي تعلو على القوانين وتأخذ طابع المعجزات.

فالبطل في النظرية المادية، لابد أن يصدر عن أسرة موسرة، وعن ثقافة عالية، وعن أبوة حكيمة، أما بيئات الفقراء والأيتام والأميين فهي لا تصلح لإخراج البطل.

بينما تنقض النبوة هذه النظرية المادية نقضاً كاملاً ، وتكشف عن كذبها وتضليلها ، وتكشف عن قدرة الله في إغناء النبي بعد فقره وتعليمه وهدايته بعد أمية وإيوائه بعد يُتم، وفي هذا معنى المعجزة الإلهية التي تنكرها نظرية البطولة الغربية الوافدة.

2- والإسلام يقرر المعجزة، وهي الأمر الخارق الذي يحصل على يد نبي مرسل؛ تأكيداً لصدق نبوته، وليس في المعجزات منافاة للعلم المادي؛ وإنما هناك قصور من أجهزة العقل والإدراك عن معرفة الأسباب التي انعقدت لها المعجزة، فضلاً عن إيمان المسلم بأن الله تبارك وتعالى هو صانع السنن والنواميس والقوانين وهو وحده القادر على خرقها على النحو الذي كشفت عنه الكثير من المواقف مع الأنبياء، كالولادة لهم بعد سن الكبر للرجال واليأس للزوجة، والولادة من غير أب كما حدث للسيد المسيح عيسى بن مريم، وكتجريد النار من خاصية الحريق كما حدث لسيدنا إبراهيم، أو تجريد الخنجر من خاصية الذبح كما حدث لسيدنا إسماعيل، وهكذا ..

وتعرف المعجزة في علم المصطلحات الإسلامية بأنها حقيقة تخالف القواعد العامة ، وتعارض المجرى العادي للحوادث، وسببها فوق إدراك البشر، وهي حقيقة تتحدى كل مَن يرتاب فيها.

وفي مقدمة المعجزات معجزة القرآن فهي معجزة قائمة أبد الدهر، تمتاز عن معجزات الرسل والأنبياء بأنها باقية، ومعجزة القرآن إنما تمثل في مطابقته الدائمة لحقائق الماضي والحاضر والمستقبل، وصدق تحدياته للبش في عجزهم عن معارضته، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وفي الآيات التي أثبتتها ما تزال قائمة، تعجز الملوك والدول والأمم عن مواجهتها، وما تزال قائمة، تعجز الملوك والدول والأمم عن مواجهتها.

3- من ناحية أخرى فإن النبوة ضرورة أساسية للحياة البشرية وبناء الإنسان الفكرى والاجتماعي؛ فهي التي تحسم عشرات القضايا المصيرية التي تبقي بلا جواب عندما تقوم الريبة والشك في حقيقة الوحي.

إن الوحي هو الذي يضع النقاط على الحروف في تلك الشبهات التي تثير عوامل القلق والتمزق والصراع النفسي الذي يواجه الآن مجموعة الأمم التي ألحدت وفصلت ما بينها وبين نور الله.

4- إن عجز العقل عن فهم الغيبيات وما يتصل بها يكشف عن ضرورة الوحي والنبوة، فالعقل غير كاف وحده وغير قادر وحده، "والوحي يعاضد العقل ، ويؤكد حكمه ويجعله موثوقاً فيما يصل العقل إلى معرفته ، فيكونا دليلين على مدلول واحد يرشد العقل ويهديه فيما لا يستقل بمعرفته مثل المعاد ، ويكشف عن وجود الأشياء التي لا يدرك العقل كنهها ومنهجها".

وقد التقى الوحي والعقل في القرآن لأول مرة في الفكر الإنساني والإسلام وأهله يؤمنون بأن المعرفة الإنسانية ليست قاصرة على معطيات الحس، وعلى حد تعبير الشيخ محمد عبده وقد نقلناه عنه "قد يعرض الدين شيئاً يتجاوز حدود الفهم، ولكن لا يعرض شيئاً يتجاوز حدود الإدراك مطلقاً".

5- ولقد امتدت النظرية الوافدة في البطولة والوحي والنبوة إلى القول بأن القرآن انطباع في نفس محمد صلى الله عليه وسلم.

وهو ليس كذلك أبداً؛ فهناك فارق واضح وعميق بين كلام النبي محمد ونظم القرآن الكريم يعرفه أهل البيان واللغة، ويعرفون أبعاده ومداه.

وليس صحيحاً أن القرآن فيض من العقل الباطن في محاولة دعوة الإشادة بعبقرية محمد وألمعيته وصفاء نفسه، ولا ريب أن لمحمد كل صفات السمو النفسي، ولكنه وصفه بالنبي نسبة إلى الوحي الإلهي هي أكبر معطياته.

ومثل هذا القول إنما يرمي إلى محاولة خادعة لقطع الصلة بين المسلمين والقرآن؛ فإنه إن كان كلام محمد كان من عمل البشر ، وبذلك يفقد معناه الأسمى وجلاله الأعظم ويفقد "ثباته" الذي يعطيه تلك القدرة الضخمة على أن يكون الأساس الذي يرتبط به كل فكر والقاعدة التي يمتد عليها كل بناء والإطار الذي تجري فيه كل حركة، وهناك أدلة كثيرة تدحض هذه الدعوة، وأبسطها "أن محمداً كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فمن الذي أطلعه على أن ما في القرآن مصدق لما في التوراة" "وكان علمه بشئون قومه لا يزيد على علم غيره" فمن الذي أطلعه على تاريخ الأمم وقصص الأولين.

(وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطِلون).

6- ولقد جلى الباحثون المسلمون ظاهرة الوحي: وأكدوا "أنها ليست ظاهرة نفسية داخلية تنبعث من كيانه صلى الله عليه وسلم؛ وإنما هي حقيقة خارجية عن ذاته استقبلها من خارج كيانه، كما ينطق بذلك حديث بدء الوحي ومشاهد أخرى".

"وإنما رأى محترفو الغزو الفكري في (ظاهرة الوحي): المنبع الأول للحقائق الدينية والكليات الاعتقادية ،ورأوا أنهم إذا استطاعوا تكدير صفاء هذا المعين الأول أمكنهم تكدير صفاء كل ما يتفرع منه واقتحام أسباب الدس والتشويش عليه.

"من أجل هذا زعم بعضهم أن الوحي في حياته صلى الله عليه وسلم إنما كان نوعاً من الإلهام الخفي، وزعم آخرون أن ذلك كان إشراقاً روحياً معيناً ، وأصرت جماعة أخرى على أنه كان يصاب بالصرع".

"والعجيب الرائع حقاً في حياته صلى الله عليه وسلم أن أمر الوحي له قام على أسس وحقائق تصفع هذه الأوهام صفعات تلقيها في متاهات الحمق والجنون".

7- ولقد تواجه الفلسفات الغربية حقيقة النبوة وظاهرة الوحي فتصفها بأنها وصاية على الإنسان الذي بلغ رشده وأصبح في غير حاجة إلى وصاية ما.

وذلك قوة من الزيف المسرف في إحسان الظن بالبشرية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.